تحقيق يكشف الخطر المزدوج في غزة وتأثير الحرب والمناخ على حياة الآلاف

بـ«بيانات موثقة» يرصد هذا التحقيق كيف تحوّلت الظواهر الجوية خلال عام 2025 إلى تهديد مباشر لحياة النازحين في قطاع غزة. عبر ربط بيانات الطقس اليومية بسجلات طبية وتقارير أممية وشهادات ميدانية، يسلّط التقرير الضوء على أثر موجات البرد والحر والأمطار على أكبر ثلاث تجمعات نزوح: وسط قطاع غزة، غرب مدينة غزة، ومنطقة المواصي في خان يونس. سجّل التحقيق أكثر من 140 ليلة باردة أو شديدة البرودة، وأكثر من 100 يوم من الإجهاد الحراري (منها 78 يومًا متواصلة)، قيماً محسوسة أدنىها -1.8°م ليلة 25 فبراير، وتدمير نحو 13 ألف خيمة وتأثر أكثر من 740 ألف شخص نتيجة الأمطار والعواصف.
المنهجية ومصادر البيانات
استند التحقيق إلى أرشيف منصة Open‑Meteo لعام 2025 لدرجات الحرارة والحرارة المحسوسة وكميات الأمطار والرطوبة وسرعة الرياح. أكّد فريق المنصة أن البيانات مبنية على نماذج إعادة التحليل (ECMWF IFS).
ربطنا بيانات الطقس بتقارير الأونروا وأوتشا ووزارة الصحة وسجلات المستشفيات، وأجريت مقابلات مع خبراء أرصاد وصحة ومسؤولين إنسانيين وشهادات نازحين. طوّر التحقيق مؤشرات إجرائية للحرارة المحسوسة العظمى والصغرى لقياس الإحساس الفعلي بالبرد والحر داخل الخيام، مع مراعاة تأثير الرطوبة والرياح.
النطاق الجغرافي والزمني
ركز التحقيق على عام 2025 وثلاث مناطق تمثل أكبر تجمعات النازحين: وسط قطاع غزة، غرب مدينة غزة، والمواصي في خان يونس. الهدف تتبع تكرار ومكثف موجات البرد والحر داخل الخيام وربطها بالآثار الإنسانية المسجلة.
شتاء الخيام: برودة شديدة وانهيار الإيواء
مع بداية 2025 عاش مئات الآلاف داخل خيام بلا عزل أو تدفئة كافية. لم يكن انخفاض درجات الحرارة وحده المشكلة، بل تزامنه مع نقص مواد الإيواء، تدهور خدمات المياه والصرف، ونقص الوقود الذي أعاق تشغيل مرافق حيوية.
صنّف التحقيق الليالي حسب الحرارة المحسوسة الصغرى إلى فئات: برودة قاسية (<5°م)، برودة شديدة (5–<10°م)، برودة ملحوظة (10–<15°م)، وأجواء مريحة (≥15°م). وقد رصدت فترات طويلة من البرودة الشديدة والقاسية، لا سيما في وسط القطاع.
ليلة 25 فبراير: أدنى حرارة محسوسة
في ليلة 25 فبراير هبطت الحرارة المحسوسة الصغرى إلى -1.8°م في وسط القطاع، و0°م في غرب المدينة، و1.2°م في المواصي. في ظل خيام مبللة وغياب وسائل التدفئة، ارتفعت مخاطر انخفاض حرارة الجسم والوفيات بين الرضع والأطفال.
وفيات وأثر صحي للبرد
سجلت المستشفيات والجهات الصحية وفاة 11 طفلًا داخل خيام النزوح خلال شتاء 2025، وسُجلت أسباب طبية متعلقة بـ«أذية البرد» بعد استبعاد أسباب أخرى. وصف الأطباء حالات وصلت للمستشفيات بـ«شحوب الوجه، ضعف الرضاعة، وبرودة الأطراف»، وأكدوا أن التأخر في النقل الليلي—نتيجة مخاوف الاستهداف—ساهم في تفاقم الوفيات.
قال مدير قسم الأطفال بمجمع ناصر إن انخفاض حرارة الجسم قد يؤدي إلى تباطؤ ضربات القلب وانخفاض الاستقلاب مما ينتهي أحيانًا بغيبوبة ووفيات؛ والطب الشرعي هو الذي يحدد السبب النهائي للوفاة.
أمطار نوفمبر وديسمبر: فيضانات وتدمير الخيام
مع الأمطار الأولى في نوفمبر وتوالى العواصف، وثّقت أوتشا تدمير نحو 13 ألف خيمة وتأثر أكثر من 740 ألف شخص في 715 موقعًا نزوحًا، منها 384 موقعًا معرضًا للفيضانات. غمرت مياه الأمطار آلاف الخيام، وانهارت مراحيض ومرافق صرف صحي، ما أدى إلى تفشي أمراض الجهاز التنفسي والجلدية والهضمية.
ديسمبر زاد الطين بلّة: عواصف قوية، مثل «بييرون»، مزقت خيامًا استُنفدت صلاحيتها، وسجّلت تقارير وفاة أطفال نتيجة البرد داخل الخيام المدمرة.
الصيف والموجات الحرّية: إجهاد حراري طويل
انتقلت المعاناة إلى الصيف حيث سُجل أكثر من 100 يوم من الإجهاد الحراري في المواقع الثلاثة، بينها 78 يومًا متواصلة في المواصي. بلغت أعلى قيمة للحرارة المحسوسة العظمى ذروتها في 12 أغسطس، وكانت أيام 12–14 أغسطس ذروة أقسى موجة حر خلال العام.
الخيام المصنوعة من القماش والنايلون تحتجز الحرارة والرطوبة، فتتحول إلى بيئات مغلقة تزيد خطر الجفاف، ضربات الشمس والإجهاد الحراري، خصوصًا للأطفال وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة.
انهيار خدمات المياه وتداعياته
النقص الحاد في الوقود حدّ من ضخ وتحلية المياه، فانخفضت كميات التوزيع وتقلّصت حصص الأفراد. في المواصي سجلت تقارير الأونروا تراجعًا لحصة الفرد أحيانًا إلى أقل من 6 لترات يوميًا.
تعطل خطوط رئيسية مثل «ميكوروت» وتضرّر آبار ومحطات دفع الصرف قلّص القدرة على الاستجابة، فاعتمد النازحون على صهاريج وإمدادات مؤقتة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
الترابط بين النزوح والمناخ
خبراء الأرصاد يؤكدون أن الظواهر الجوية في شرق المتوسط خلال 2025 لم تكن بالضرورة استثنائية من حيث الشدة، لكن الحرب وحياة الملايين في خيام هشة حوّلت أي تغير جوي إلى كارثة. الرطوبة الساحلية مثلاً تضاعف تأثير الحرارة، والخيام المبتلة تجعل درجات حرارة تبدو قاتلة داخل المأوى.
شهادات من الخيام
تروي صابرين مازن الأيوبي من غرب مدينة غزة أن الخيمة «لا تقي الحر ولا تقي البرد»، وأن الأمطار تقضي على الأغطية والفرش، وأن الأطفال يعانون أمراضًا جلدية وصعوبة في التنفّس. يقول زكريا أبو سنيمة من بني سهيلا إن الخيمة تتحول إلى «فرن» صيفًا بسبب احتباس الحرارة، وإن العائلات تضطر للجلوس خارج الخيام والرشّ بالماء لتخفيف الحرارة.
في مخيم دير البلح تحكي جنين رفيق أبو جراد عن ازدحام الخيام وضيق المساحات الذي يزيد من حدة الحرارة ويحول الأرض شتاءً إلى مستنقع عند هطول الأمطار.
سوق الخيام وتأثير السعر على الجودة
أصبح للخيَم سوقٌ موازٍ يتأثر بالجودة والسعر. وفقًا للصحفي محمد القوقا، تميز النازحون أنواع الخيام بأسماء الدول التي تبرعت بها، وارتفعت أسعار الخيام القُبّة المقاومة أمطارًا وحرارةً لتصل أحيانًا إلى مئات الدولارات، ما جعل الحصول على خيمة جيدة خارج قدرة كثيرين.
اضطر بعض النازحين لبيع خيامهم لشراء طعام، ثم استبدالها بخيام أقل جودة، ما زاد هشاشة الإيواء أمام الأمطار والحرّ.
تحذيرات أممية وميدانية
المنظمة الدولية للهجرة أفادت بوجود أكثر من 1.7 مليون شخص في مواقع نزوح وأن معظمهم مهددون. أوتشا ذكرت أن 1.5 مليون شخص بحاجة عاجلة لمساعدات إيوائية وأن المئات من المواقع معرضة للفيضانات. الأونروا أقرت بوجود وفيات مرتبطة بالظروف المناخية وحذّرت من تفاقم الآثار مع استمرار نقص المستلزمات والوقود.
خلاصة وتوصيات
تُظهر الأدلة أن المناخ لم يكن سبب الكارثة بمفرده، لكنه كشف هشاشة بيئة النزوح وحوّل موجات برد وحر وأمطار إلى مخاطر مميتة. الأولويات العاجلة: فتح ممرات دائمة لإدخال مواد الإيواء النوعية، توفير وقود لتشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، توزيع خيام معزولة ووسائل تدفئة وتبريد وقائية، وتأمين مستلزمات طبية للأطفال والرضع وكبار السن.
بدون استجابة سريعة ومستدامة لتحسين الإيواء والمياه والصرف والصحة، ستظل موجات الحر والبرد عاملين يوميين يهددان حياة ملايين النازحين في قطاع غزة.






