بعد 23 عامًا من التواجد العسكري ما الأسباب وراء الانسحاب الأمريكي من العراق

هل يعني اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق نهاية مرحلة الوجود الأجنبي؟ أم أن بغداد أمام اختبار جديد لفرض سيادتها الأمنية والعسكرية؟ كيف ستتعامل حكومة علي الزيدي مع احتمالات عودة تنظيم داعش، ملف سلاح الفصائل، التواجد التركي، والتحديات الكردية في ظل تغير أنماط الدعم والتنسيق الأمني بعد رحيل القوات الأمريكية؟
خلفية الانسحاب الأمريكي
أنهت الولايات المتحدة وجودها العسكري في العراق في 30 سبتمبر الماضي، بعد أكثر من عقدين منذ غزو 2003 ثم انسحاب الأول عام 2011، ثم عودة جزئية عام 2014 ضمن عملية «العزم الصلب» لمواجهة تنظيم داعش.
لم يكن الانسحاب مفاجئًا، فقد اتفقت بغداد وواشنطن عام 2024 على إنهاء مهمة التحالف الدولي تدريجيًا، مع تحديد موعد نهائي في 30 سبتمبر 2026. وتحولت العلاقة بعد المغادرة إلى تعاون ثنائي في مجالات التدريب والدعم الاستخباري مع استمرار حماية البعثات الدبلوماسية الأمريكية.
يوم السيادة وتحمل المسؤولية الوطنية
أعلن رئيس الوزراء علي الزيدي ما وصفه بـ«يوم السيادة»، مؤكّدًا أن استكمال السيادة يرتبط بثلاثة ملفات أساسية: إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، معالجة الوجود التركي وعناصر حزب العمال الكردستاني، وتوحيد قوات البيشمركة لتعزيز وحدة القرار الأمني والعسكري.
ولمَحت أنقرة إلى تسليم معسكر بعشيقة–زليكان تدريجيًا وفق جدول زمني متفق عليه رسميًا بين الطرفين، في محاولة لترتيب الوجود الأجنبي بطريقة متسقة مع مطالب بغداد السيادية.
تهديد داعش والخلايا النائمة
رغم رحيل القوات الأمريكية، يظل تنظيم داعش يمتلك فلولًا وخلايا نائمة، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل مثل كركوك وتلعفر وحوران وأطراف الموصل.
تعتمد أمن هذه المناطق إلى حد كبير على تشكيلات محلية، ما يستلزم تنسيقًا دائمًا بين الحكومة المركزية والحكومة الإقليمية لمنع استغلال الثغرات. وقد كشفت السلطات عن خلايا نائمة قبل اكتمال الانسحاب، مع تحذيرات من سعي التنظيم لإثبات قدرته على تنفيذ هجمات دامية.
حصر السلاح بيد الدولة وصراع المرجعيات
من أكبر التحديات التي تواجه حكومة الزيدي ملف حصر السلاح بيد الدولة. التزمت الحكومة بتطبيق هذا المبدأ منذ تسلمها السلطة، وربطت تسليم أسلحة الفصائل بانتهاء الوجود الأجنبي.
لكن عددًا من الفصائل رفضت ربط التسليم بموعد محدد أو الالتزام بجدول حكومي، من بينها حركة النجباء وكتائب حزب الله العراقية. وتباينت المواقف بين الدعوات إلى اتفاقات جديدة تحفظ دور هذه الفصائل، وتهديدات بعدم الانصياع، مما يعكس خلافًا حول مرجعية القرار العسكري داخل العراق.
حددت الحكومة مهلة حتى 30 يونيو 2027 لتسليم السلاح، مع اشتراط عدم شن هجمات لمدة 90 يومًا تسبق عملية التسليم، ومناقشة قانون هيكلة الحشد الشعبي وحقوق منتسبيه.
الاحتكاك السياسي ومسارات التصعيد
تزايدت حدة التصريحات والتهديدات من بعض الفصائل التي أعلنت رفضها لتسليم السلاح أو حتى تهديدها بإسقاط الحكومة. هذه الخطابات تضغط على قدرة بغداد على فرض قواعد الدولة موحدة، وتزيد من احتمالات التصعيد السياسي أو الأمني إذا لم تُدار العملية بحسْب سياسية دقيقة.
العلاقات مع إيران وقضية الطيران والزيارات الدينية
يتقاطع ملف السلاح والسيادة مع العلاقات العراقية–الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بحركة الطيران والزيارات الدينية. لعب وزير الخارجية فؤاد حسين دور الوسيط لدى الجانب الأمريكي لاستثناء بعض المطارات العراقية من قيود الرحلات الإيرانية.
تستقبل العراق نحو 5 ملايين زائر إيراني سنويًا، ويزور نحو 3 ملايين عراقي مدينة مشهد، مما يجعل تنظيم الرحلات بين النجف ومشهد مسألة حساسة دينيًا واجتماعيًا تحتاج حلولًا أمنية وسياسية متوازنة.
البعد الكردي ومخاوف فقدان الدعم الاستخباري
أبدى القيادي الكردي مسعود بارزاني قلقه من توقيت الانسحاب، محذرًا من فقدان إقليم كردستان للدعم الاستخباري واللوجستي والطائرات المسيرة، وما قد يواكبه من تكرار لتجارب سابقة مثل 2011 وظهور داعش عام 2014.
تفاقمت مخاوف أربيل بعد هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مخيمات معارضة إيرانية داخل العراق، من بينها استهداف مخيم «آزداي» في قضاء كويسنجق، ما يبرز هشاشة الوضع الأمني وضرورة تعزيز التعاون الاستخباري بين بغداد وأربيل.
حماية الأجواء ومنظومات الدفاع
أعلن المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان أن بغداد اقتربت من الحصول على منظومات دفاع جوي من كوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة. تهدف هذه الخطوة إلى تعزيز سيادة الأجواء وحماية المنشآت الحيوية والحدود من تهديدات الدرون والهجمات العابرة.
خلاصة: ملفات مترابطة واختبار مؤسساتي
يضع الانسحاب الأمريكي العراق أمام جملة ملفات مترابطة: مواجهة عودة داعش، حصر السلاح بيد الدولة، حماية الأجواء، تنظيم الوجود التركي، وإدارة الملف الكردي. تتقاطع هذه القضايا مع تغيرات في الدعم والتنسيق الأمني، وتختبر قدرة المؤسسات العراقية على تنفيذ قراراتها وصيانة السيادة في المرحلة المقبلة.






