محمد صلاح يأسرك قبل أن يسجل الأهداف تعرف على سر نجاحه القلبي

ربما ليس أبرز ما يَدلّ على مكانة محمد صلاح ذلك الأداء اللافت في تركيا مع طرابزون ضد جلاطة سراي (انتهى 4-0)، بقدر ما كان ما جرى مؤخرًا في مباراة منتخب مصر أمام أنجولا، حين أُخرج صلاح في الدقيقة 60 بقرار فني من المدير الفني حسام حسن، في لقاء انتهى بالتعادل السلبي.
التبديل وردود الفعل
القرار كان فنيًا بحتًا، لكنه أثار مفارقات أعمق. كيف يتحول نجم تهتف باسمه جماهير بلد آخر إلى لاعب يخضع داخل منتخب بلاده لقرار المدرب مثل أي زميل؟
المفارقة ليست في الاعتراض على التبديل—فصلاح معروف بعدم الاعتراض—بل في حزن الجماهير لجلوسه على الدكة، رغم امتداد عشقهم له من ليفربول إلى المدرجات التركية.
تطرح هذه اللحظة سؤالًا يتجاوز كرة القدم: كيف عبر صلاح بسرعة من لاعب ناجح إلى رمز إنساني يتعلّق به الجمهور أكثر من مجرد الإعجاب بالأداء؟
محمد صلاح وتأثيره الاجتماعي
جزء من الإجابة يمكن العثور عليه في دراسة علمية أعدها باحثون من ستانفورد وييل وكولورادو بولدر ونُشرت في American Political Science Review عام 2021. درست الدراسة أثر انتقال محمد صلاح إلى ليفربول عام 2017 على بعض السلوكيات المتعلقة بالإسلاموفوبيا بين مشجعي كرة القدم في إنجلترا.
منهجية الدراسة ونتائجها
اتبعت الدراسة ثلاثة مسارات بحثية تربط بين التعرض الإيجابي لشخصية مشهورة وتغير المواقف الاجتماعية.
أولًا: تحليل بيانات جرائم الكراهية في ميرسيسايد، حيث سجّل الباحثون انخفاضًا بنحو 16% مقارنةً بالمستوى المتوقع في غياب انتقال صلاح.
ثانيًا: تحليل نحو 15 مليون تغريدة لمشجعي كرة القدم في إنجلترا، فأظهرت تراجعًا في التغريدات المعادية للمسلمين بين مشجعي ليفربول مقارنةً بجماهير أندية أخرى.
ثالثًا: تجربة استقصائية شملت 8060 من مشجعي ليفربول، حيث ارتبط إبراز هوية صلاح الإسلامية بمواقف أكثر إيجابية تجاه المسلمين.
لا تدّعي الدراسة أن صلاح وحده أنهى الإسلاموفوبيا أو سبب الانخفاض وحده، لكنها تقدّم أدلة تجريبية على أن التعرض الإيجابي لشخصية مشهورة يمكن أن يساهم في تراجع مظاهر التحيز في ظروف محددة.
صلاح والمشوار الرياضي
الأهداف والإحصاءات لا تكفي وحدها لصنع الارتباط العاطفي بين اللاعب والجمهور. ما يميّز حالة صلاح هو تراكم الذكريات واللحظات الحاسمة عبر سنوات طويلة.
خلال تسع سنوات في ليفربول، خاض صلاح نحو 442 مباراة وسجل 257 هدفًا وقدم 120 تمريرة حاسمة، إضافةً إلى ثمانية ألقاب كبرى بينها الدوري الإنجليزي مرتين ودوري أبطال أوروبا وكأس العالم للأندية، ما جعلَه ثالث هدّافي النادي تاريخيًا.
كل هدف أو احتفال تحول لذكرى لدى المشجعين، فصار صلاح جزءًا من الذاكرة الرياضية لقاعدة جماهيرية واسعة.
صلاح كقدوة ورمز إنساني
لم تبدأ قصة صلاح من القمة. نشأ في نجريج بمحافظة الغربية، كان يسافر إلى القاهرة للتدريب ويواجه صعوبات مادية ومهنية قبل أن تصل مسيرته إلى أوروبا.
هذه الرحلة القريبة من الناس تجعل قصته قابلة للفهم والتعاطف: الطفل المصري يرى نفسه في نجاحه، والمسلم يرى تمثيلًا لهويته على أكبر الملاعب، والمشجع الأجنبي يرى قصة صعود إنسانية.
حافظ صلاح على علاقة مباشرة بقريته وأسرتِه وشارك بأعمال خيرية ومشروعات محلية، ولم يتغير في سلوكه العام رغم الشهرة العالمية، ما عزز موقعه كقدوة ومثال يُحتذى.
ظاهرة تتجاوز الكرة
صلاح ليس مجرد ظاهرة كروية تُختزل في قدرات فنية أو أهداف؛ هو ظاهرة إنسانية تترك أثرًا في القلوب. هذا يفسّر الترحيب به وهتافات الجمهور في كل مكان يذهب إليه.
عند انتقاله إلى طرابزون، لم يبدأ علاقة جديدة من الصفر تمامًا؛ اسمه وحده أحدث تواصلًا فوريًا مع جمهور جديد، وهتفوا له: «الله الله محمد صلاح».
ورغم الانتقادات الأولى، نجح صلاح سريعًا في كسب قبول الجمهور من خلال لغة يفهمها الجميع: الأداء، الأهداف، ومتعة اللعب.
قصة محمد صلاح إذًا تتجاوز الأرقام والإحصاءات؛ هي عن رحلة وتمثيل ثقافي وإنساني، وعن قدرة الرياضة والشهرة على تغيير نظرة الجمهور إلى «الآخر» وإعادة تشكيل ذاكرة مجتمعية.






