مستقبل العلاقات اللبنانية الإسرائيلية بعد اتفاق واشنطن على 14 بندًا

يتداخل اتفاق الإطار المعلن في واشنطن بين هدف استعادة سيادة الدولة اللبنانية وإنهاء المواجهة مع إسرائيل، وبين شروط أمنية وسياسية قد تدفع البلاد إلى اختبار داخلي غير مسبوق. كيف يترجم هذا الإطار انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا؟ وهل يربط الانسحاب الكامل بنزع سلاح حزب الله بما يضع الجيش اللبناني أمام مواجهة داخلية محتملة؟
مضمون الاتفاق والآلية التنفيذية
توصلت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية‑الإسرائيلية في واشنطن إلى اتفاق إطار يتألف من 14 بندًا يحدد المبادئ العامة وآليات التنفيذ المرحلية. الاتفاق يؤكد إنهاء حالة الحرب بين البلدين كبداية لبناء ترتيبات أمنية تنهي القضايا العالقة.
الوثيقة لا تفصل كل التفاصيل التشغيلية النهائية، بل تضع أسسًا تَستكمل عبر ترتيبات لاحقة وفق بنودها، مع الإشارة إلى الالتزامات العامة وآليات المتابعة وخطوات التنفيذ.
المرحلية ومناطق التجربة
يعتمد التنفيذ آلية مرحلية تبدأ بمنطقتين تجريبيتين تُنسحب منهما القوات الإسرائيلية، ومن ثم ينتشر الجيش اللبناني لتولي المسؤولية الأمنية بعد التحقق من استيفاء الشروط.
التوسع لاحقًا مرتبط بنتائج التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها، وبعدها تُستأنف مراحل إعادة الإعمار بدعم دولي.
ربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله
أكثر بنود الاتفاق إثارة للجدل ربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل باستكمال نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية. الانسحاب الأولي يقتصر على المناطق التجريبية، ولا يمتد إلى بقية الأراضي إلا بعد مصادقة اللجنة الثلاثية على تنفيذ الشروط.
هذا الربط يضع الجيش اللبناني في موقع تنفيذي قد يتطلب مواجهة فعلية مع حزب الله وأنصاره، وهو ما بدا فور إعلان الاتفاق عبر تحركات احتجاجية أعقبتها تدخلات عسكرية محلية لفرض النظام.
النقاط الاستراتيجية المتنازع عليها
لم يلزم الاتفاق إسرائيل بالانسحاب من عدة نقاط احتفظت بالسيطرة عليها لسنوات، أبرزها تلة الحمامص، تلة اللبونة، تلة النبي عويضة (جل الدير)، جبل بلاط، وتلة العزية (الدواوير).
ترى إسرائيل أن الإبقاء على هذه المواقع يوفّر لها منطقة أمان ومراقبة محاور حيوية، بينما تعتبر بيروت استمرار التواجد الإسرائيلي فيها شريطًا عازلاً على الأراضي اللبنانية ويشكل عقبة أمام انسحاب كامل.
المواقف السياسية اللبنانية: انقسام واضح
رفض حزب الله الاتفاق بشكل قاطع واعتبره تهديدًا لدوره وهدية لإسرائيل، فيما أطلق قياديوه تهديدات بسقوط الحكومة أو بالتحركات إذا استمرت إجراءات نزع السلاح.
في المقابل، رحبت قوى سياسية ووزارية أخرى بتطبيق الاتفاق كفرصة لاستعادة سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، داعية إلى دعم القوات المسلحة والمرجعيات الشرعية كوسيلة لإنهاء ازدواجية السلاح.
المواقف الإسرائيلية والدولية والدور الأمريكي
رأت إسرائيل في الاتفاق انتصارًا يقطع دور إيران عبر حزب الله، واعتبر مسؤولوها ومحللون أنه يمكن أن يدفع لبنان لمواجهة داخلية تُضعف قدرات الحزب.
على الصعيد الدولي، أعلنت واشنطن تشكيل «مجموعة التنسيق العسكري بشأن لبنان» للإشراف على تنفيذ الاتفاق، وقدمت مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار عبر الأمم المتحدة، مع استعداد البنتاغون لتقديم أكثر من 30 مليون دولار دعمًا للقوات المسلحة اللبنانية.
بنود مالية وأمنية ومكافحة التمويل
يشمل الاتفاق التزام لبنان والولايات المتحدة بمنع وصول الأموال لأي كيان أو فرد مرتبط بجماعات مسلحة غير حكومية، واتخاذ الإجراءات القانونية لحظر أنشطتها وقطع مصادر تمويلها.
كما يقترح الاتفاق تشكيل مجموعات عمل لصياغة اتفاق شامل للسلام والأمن، مع التأكيد على وقف الأعمال العدائية وتنفيذ بنود الاتفاق بحسن نية، استنادًا كذلك إلى أحكام اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن 1701 وإعلان وقف الأعمال العدائية لعام 2024.
الخلاصة والسيناريوهات المحتملة
يبقى السؤال المركزي ما إذا كان الاتفاق سيمكن الدولة اللبنانية من استعادة احتكار السلاح وبسط سلطتها على كامل أراضيها، أم أنه سيفتح الباب لمواجهة داخلية مع حزب الله تعيد إنتاج الانقسام السياسي والأمني.
تنفيذ الاتفاق سيتطلب توازنًا دقيقًا بين الضغوط المحلية والإقليمية والدعم الدولي. وفي غياب توافق داخلي واسع، قد تتحول مرحلة الانتقال هذه إلى اختبار استقرار داخلي حاسم للبنان، مع تبعات أمنية وسياسية واقتصادية واضحة.






