أخبار العالم

الساحة اللبنانية تهيمن على المفاوضات الأمريكية الإيرانية في سويسرا

يكشف التصعيد الأخير على الجبهة اللبنانية أن التفاهم الأمريكي-الإيراني لم ينجح حتى الآن في فصل لبنان عن صراعات المنطقة، بل أبرز التشابك القائم بين المسار التفاوضي والواقع الميداني. بينما كانت واشنطن وطهران تستعدان لترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية، أثبتت مواجهات الجنوب اللبناني أن أي حادث أمني كبير قادر على إرباك الحسابات الدبلوماسية وتأجيل الاستحقاقات المنتظرة.

التصعيد العسكري في الجنوب ومساءلة العمليات

قُتل أربعة ضباط إسرائيليين من رتب عليا، من بينهم قائد الكتيبة 52 في لواء المدرعات 401، دور جداليا بن شمعون، وأُصيب 17 جندياً خلال محاولات توغل على جبهة الجنوب، في منطقة علي الطاهر.

تعرضت القوات الإسرائيلية لهجوم بطائرة مسيّرة مفخخة مزوَّدة برأس حربي مضاد للدبابات، اتهمت تل أبيب حزب الله بتنفيذه. استخدمت إسرائيل هذا الحادث ذريعة لتكثيف الضربات في جنوب لبنان واستهداف مناطق عدة بما في ذلك قضاء النبطية وإقليم التفاح وبنت جبيل.

الخسائر المدنية وتداعياتها الإنسانية

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن القصف أسفر عن 47 قتيلاً و97 جريحًا، مع موجات نزوح نحو مدينة صور. هذه الخسائر أثرت على المناخ السياسي والدبلوماسي وأدت إلى تعطيل جولات تفاوضية كانت مقررة.

تأجيل محادثات سويسرا واستئناف محتمل

أعلنت وزارة الخارجية السويسرية تأجيل الجولة الأولى من المحادثات الفنية بين الوفدين الأمريكي والإيراني بسبب التطورات في لبنان. وأفادت مصادر أمريكية أن المبعوث الخاص ستيف ويتكوف متجه إلى سويسرا لاستئناف المفاوضات، مع توقع مشاركة جاريد كوشنر.

تأتي هذه التحركات بعد توقيع مذكرة تفاهم تتضمن وقفًا مؤقتًا للعمليات وإجراءات أولية، منها إعادة فتح مضيق هرمز لمدة ستين يومًا تمهيدًا لمناقشة قضايا نووية وأمنية أوسع.

المواقف اللبنانية والدعم الأمريكي

أعلنت إسرائيل هدنة مؤقتة عقب ليلة دامية، بينما تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أكد خلاله دعم واشنطن للسلطات اللبنانية.

حدد روبيو أوجه الدعم للجيش اللبناني والقوى الأمنية لمساعدتها في مواجهة التحديات وبسط سيادة الدولة، فيما شدد عون على أن الأولوية وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق وقف شامل لإطلاق النار كشرط لنجاح المفاوضات المقبلة.

خطة تفكيك سلاح حزب الله والمرحلة التجريبية

من المقرر أن تركز الجولة الخامسة من المفاوضات على تحديد مناطق تجريبية لخطة تفكيك سلاح حزب الله بواسطة الجيش اللبناني، على أن تُطبق في المناطق التي لا تزال تتواجد فيها القوات الإسرائيلية، ما قد يمهّد لانسحاب جزئي من الشريط الأمني.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الوجود العسكري في الشريط الأمني سيستمر “بالقدر الذي تقتضيه الحاجة”، فيما تُجرى تقييمات ميدانية لتحديد مناطق الانسحاب وتنفيذ المشروع التجريبي.

مواقف طهران وحزب الله بشأن وقف النار

أدانت إيران الهجمات الإسرائيلية على لبنان وحذرت من تداعياتها على أمن المنطقة، وحمّلت الولايات المتحدة مسؤولية تفاقم الأوضاع. وأكدت طهران أن وقف الحرب في لبنان جزء لا يتجزأ من الاتفاق المبرم مع واشنطن لوقف الأعمال العدائية.

تنص مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران على “الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”، وُنظر إلى هذا النص كخطوة أساسية لحماية سيادة لبنان ووقف الدمار في الجنوب والضاحية.

كشف نائب حزب الله حسن فضل الله أن إيران أبلغت الحزب بأن المفاوضات مع الولايات المتحدة لا يمكن أن تستمر دون وقف شامل لإطلاق النار، ودعا الحكومة اللبنانية لرفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل في ظل استمرار الهجمات. كما طالب أمين عام حزب الله نعيم قاسم بوقف أي مسار تفاوضي مع “العدو” وأشاد بدور طهران في دعم المقاومة.

تصريحات إسرائيلية متشددة وتصعيد عسكري

ترافق التصعيد العسكري مع خطاب إسرائيلي متشدد من مسؤوليين بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بينما هدد بعض القادة المحليين بضربات قاسية ضد معاقل حزب الله.

شنت إسرائيل ضربات على أكثر من 80 هدفًا لحزب الله استهدفت مراكز قيادة وبنى تحتية، بالإضافة إلى غارات على مناطق جنوبية وشرقية قرب بعلبك، ما زاد من حدة التوتر على الأرض.

الخطر الإقليمي واحتمالات الانزلاق

أثارت تصريحات حول دور محتمل لسوريا في لبنان تساؤلات عن حدود أي تدخل وإمكانية إحياء ترتيبات أمنية سابقة. نفت دمشق أي نية للتدخل، فيما شددت السلطات اللبنانية على رفض وجود قوات أجنبية على أراضيها واعتبار معالجة ملف سلاح حزب الله مسؤولية داخلية.

يحذر مراقبون من أن أي تدخل خارجي مباشر في ملف حزب الله قد يدفع أطرافًا إقليمية أخرى للانخراط، مما قد ينتج سلسلة تفاعلات أمنية وسياسية في منطقة مترابطة بلبنان وسوريا والعراق وتركيا.

خاتمة: رهانات وقف النار واستقرار لبنان

تقف الجبهة اللبنانية اليوم عند مفترق حساس يلتقي فيه الأمن المحلي برهانات القوى الإقليمية والدولية. نجاح المسار التفاوضي مرتبط بقدرة الأطراف على تثبيت وقف شامل ومستدام لإطلاق النار، وتنفيذ بنود التفاهمات، وتأكيد دور الدولة اللبنانية في معالجة ملف السلاح.

منع تحول لبنان مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية يتطلب التزامًا دوليًا وإقليميًا واضحًا، إضافة إلى خطوات عملية لحماية المدنيين والحفاظ على سيادة واستقرار البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى